ذكرياتي في يافا


إن الهدف من هذا قسم قصص يافا اطلاع الزائر الكريم على بعض أنشطة أهل يافا وعاداتهم في الثلاثينيات والاربعينيات من القرن الماضي قبل النكبة , ننقل فيما يلي بعض ما كتبه المؤلف ابن يافا خيري ابو الجبين في  مذكراته اليومية في تلك السنين وقد قمنا باختيار مقتطفات من هذه المذكرات نظرا لأنها تصور الحياة في يافا تصويرا دقيقا في تلك الفترة ....

وإنا لنأمل من الله التوفيق وندعو للسيد خيري ابو الجبين بالخير والشكر لما كتبه لنا ......

  يوم الجمعة 6/4/1935 :

 أخذني والدي صباح اليوم إلى الرملة لمشاهدة احتفالات موسم النبي صالح فيها وذهبنا بالباص من أمام دارنا بالنزهة الى موقف باصات الرملة- اللد الكائن في شارع جمال باشا خلف دائرة الصحة من هنالك ركبنا الباص الى الرملة واستغرقت الرحلة حوالي نصف ساعة , وفي الرملة اختار والدي مقهى قريب من الجامع الابيض جلسنا فيه ومنه شاهدنا موكب النبي صالح باعلامة وموسيقاه اثناء قدومه من مدينة يافا وتناولنا الغداء في المقهى وهو عبارة عن كباب مشوي مع لبن وعند العصر عدنا مع الموكب بالقطار الى يافا وحملنا معنا لإخوتي هدية هي ( حلاوة النبي صالح ) البيضاء اليابسة في وعاء صغير من الفخار .

وامس الخميس كان خميس البيض حيث اشترى والدي كمية من البيض الطازج سلقته لنا والدتي وصبغت البيض بالوان مختلفة وكنا نتلذذ بأكل البيض الملون , اما أول امس الاربعاء فقد كان يوم ( اربعاء ايوب ) وجرى الاحتفال في الساحة الكبيرة في العجمي الواقفة امام المدرسة الأيوبية  والنادي الارثوذكسي وقد ذهبت الى هناك بباص رقم 6 وقد صادفت في هذا الاحتفال اربعة من زملائي التلاميذ في مدرسة النزهة من المسلمين والمسيحين وقد اخبرني والدي أن يوم الجمعة المقبل يسمى الجمعة العظيمة ( الحزينة ) عند الطوائف المسيحية الغربية أما الطوائف الشرقية فتحتفل بالجمعة العظيمة في الاسبوع الذي يليه .....

 

يوم السبت 13/3/1937 :

هذا اليوم السبت هو عطلة اليهود وكان اليهود يعملون في يافا بحرية تامة حتى سنة اضراب السنة الماضية وكانت معظم محلاتهم في شارع اسكندر عوض وفي أول شارع يافا تل ابيب ومن العائلات اليهودية القديمة في يافا عائلات امزالق ومايير وموبال وشلوش وسمحاقيل ...

وكنا قبل الاضراب نذهب الى سينما عدن وسينما اوفير في تل ابيب لمشاهدة بعض الافلام السينمائية ولم يكن في يافا الا سينما ابولو في العجمي وسينما الشرق في البلد لأن سينما الحمراء لفخمة أنشأت بعد الاضراب ومن الافلام التي شاهدتها في سينما اوفير وأنا صغير فيلم محمد عبد الوهاب الأول واسمه ( الوردة البيضاء ) وسينما اوفير قريبة من نهاية شارع يافا –تل ابيب أما سينما عدن فهي قريبة من آخر حي المنشية وسوق الكرمل وقد شاهدت فيها فيلم عبد الوهاب الثاني واسمه ( دموع الحب )

 

يوم السبت 18 /9/1937 :

رجعنا أمس من روبين لأن المدرسة ستفتح أبوابها يوم الاثنين بعد غد وموسم روبين من المواسم الشعبية الخاصة بأهالي مدينة يافا ومن جاورها  وهو يعقد في الصيف حيث تنصب الخيام في ارض روبين التي تقع على بعد 15 كيلو متر جنوب مدينة يافا وتضم كثبان رملية ناعمة بيضاء وتقع بين نهر روبين والبحر وقد ذهبت مع العائلة الى روبين قبل شهر تقريبا بعد أن شاهدت في يافا ( زفة الثوب) من بلكون مكتب خالي زهدي في السوق حيث مر الموكب في شارع العجمي قادما من الجامع الكبير وشارك في الاحتفال العلماء وحملة الاعلام ورجال الدين والشخصيات ثم اتجه الموكب من يافا الى روبين حيث تحفظ الاعلام هناك وكانت فرقة الحاج جمعة الموسيقية التحاسية تشارك في هذا الموكب ...

واستمرت اقامتي في روبين مع عائلتي اكثر من شهر , وروبين مصيف جميل جدا وبلدية يافا تشرف على النظافة والاسواق فيه ودائرة الصحة تتولى الرعاية الصحية للسكان ومركز الشرطة يتولى حفظ الامن ولروبين مجلس بلدي يترأسه عمي الشيخ عيسى ...

والمعروف أن الذهاب الى روبين في الصيف أمر شبه الزامي بالنسبة للأسر اليافية وكانت ربة البيت تصر على الذهاب الى روبين أسوة بجاراتها وتهدد زوجها بأنها ستتركه اذا لم يأخذها لمصيف روبين وتقول له ( يابتروبني يابتطلقني ) واذكر بأننا لم نذهب الى روبين في الصيف الماضي بسبب الاضراب وفي هذه السنة عدنا للذهاب الى روبين ولاحظت أن فرق الكشافة والأندية من يافا والرملة واللد شاركت في احتفالات الموسم ونصبت الخيام الكبيرة لأفرادها واقامت الاستعراضات والنشاطات المختلفة هناك .

ويوجد في روبين سينمات ومسارح وهناك اسواق ومقاهي وعيادات اطباء وافران ومطاعم وكل ما يؤمن للسكان الحياة المريحة .

وبالنسبة للعائلات الكبيرة القديمة في يافا فقد كان لكل منها في روبين موقع خاص تنصب العائلة فيها خيامها كل سنة ولا يجوز أن يشغله غيرها .....

وكان المكان الذي تنصب فيه عائلتنا خيامها قريب من ( تل السكر ) وكنا في روبين نعيش في صيوان اشتراه لنا من مصر خالي فضل الدين قبل سنتين والصيوان مصنوع من القماش السميك وله في وسطه عمود من الخشب ( دريك ) وكان الصيوان مطرزا من الداخل وكان مكتوبا فيه على قماش من الحرير بالتطريز الآية القرآنية الشريفة ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)

وهناك "دوار" حول الصيوان وعلى بعد بضع امتار منه وهو مصنوع من نفس قماش الصيوان السميك ويتوسط كل مترين منه قطعة خشب مستطيلة وهكذا... حتى يسهل طيه وتخزينه في نهاية الموسم ... والدوار يستعمل للأغراض المنزلية كالطيخ وغيره،  أما النوم فيكون في الصيوان وفي آخر الدوار يوجد مطبخ ... وفي طرف الصيوان مرحاض يجلب اليه الماء .... وفي آخر موسم روبين عندما تهدم الخيام تردم المراحيض في حفر عميقة ويهال عليه تراب كثيف حتى يمكن استعمال الموقع في السنة التالية , ويوجد للعائلات الكبيرة خيام أكبر من الصواوين تسمى كل منها سحّابة ( بتشديد الحاء ) وللسحّابة " دربكان" ( مثنى دربك ) .

واذكر أن أول مرة ذهبت فيها الى روبين كانت في عام 28 بالجمل وكنت في حضن امي ومشى الجمل على شاطئ البحر من يافا الى روبين طيلة الليل  ووصل فجر اليوم التالي و بعد انتشار السيارات صارت تستعمل للوصول الى روبين بالإضافة الى الجمال , والسيارات تصل فقط الى شاطئ النهر " الجاف "  ولا تسير داخل رمال روبين الكثيفة .

وفي روبين عشنا ببساطة وكنا ننام على الأرض وكنا في إجازة ففي ساعات الصباح كنا نلعب ونتسامر حول الخيام أو نذهب مع الوالد الى أحد المقاهي  المنتشرة في الاسواق وكان والدي يلعب هناك " الورق" أو " الدومينو" مع عمه الحاج رشيد .

وكانت سخونة رمال روبين تلسع أقدامنا عند عودتنا ظهرا من السوق الى خيمتنا لأنها حارة جداً حيث كنت أسير حافياًَ بينما كان والدي يلبس "بلغة" أو حذاء خفيفا .

وفي عصر كل يوم كنا نذهب الى "السبق" أي سباق الخيول الذي كان يجري قرب "المخاضة " وهي آخر مجرى نهر روبين وفي أيام أخرى كنا نذهب الى " الفوار " أي مكان ينبوع الماء للنزهة .. وكان المصيف صالحا للتعارف وكان البعض يذهبون صباح كل يوم من ايام المصيف الى يافا بالسيارات لقضاء اعمالهم ثم يعودون الى روبين في المساء ... وكانت ليالي روبين حلوة يحلو فيها السهر والغناء وكنا نسعد بمشاهدة ألعاب "ثلجة وعبد الرحيم " وألعاب "الحاجة زبيدة" و " راكب الموتور سيكل" ومشاهدة الافلام وسماع المنولوجات في احدى السينمات أو الساحات المنتشرة في روبين .

وكانت الاسواق في روبين عامرة وكان هنالك سوق للسيدات ملئ بالأقمشة والفوانيس والاساور  وكل ما يلزم للسيدات وكانت البضاعة اليابانية تغمر ذلك السوق في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي وكانت رخيصة جدا ويذكر ان ثمن "12" قلم رصاص مع محاية كان " تعريفة " أي 5 " ملات " وكان سوق السيدات مقتصرا عليهن في الليل وكنت اذهب مع والدتي الى ذلك السوق بالإضافة الى سوق السيدات كان هناك أسواق أخرى .

وفي روبين كان يلبس الملابس الخفيفة " قمباز وسروال " أما انا فكنت البس اما " سركس " او " شنتة" أو " جلابية " واحيانا كنت اتجول "بالبيجاما "

وفي روبين كنا نتجمع ونتسابق في التدحرج على " تل السكر " دون ان تتسخ ثيابنا لان رمال روبين ناعمة جدا ذهبية اللون ممزوجة بذرات الزلف الابيض ولا أثر فيها للغبار أو الطين أو الوحل .

ومن ألعابنا أيضا عمل " الهبيطة " وهي حفرة عميقة تغطى بالقش والورق ثم يفرش عليها الرمل لتضليل القادم إلى الجهة التي فيها " الهبيطة" فعندما  يدوس عليها تنزل رجلاه في الحفرة ويغرق في الرمال ونحن نضحك ثم نهرب بينما يكون من سقط في " الهبيطة " غارقا مرتبكا ويقذف اللعنات والشتائم علينا ...!

وكان ركوب الحمير والتسابق بها الشغل الشاغل لنا وكنت في أيام التنزه استأجر حمارا للذهاب الى شاطئ البحر او إلى " المخاضة" وهناك كنا نتسابق بعد ان نتجول في الاسواق المنتشرة عند بداية منطقة رمال روبين .

  يوم الجمعة 27/10/1939 :  

اليوم الجمعة والطقس جميل جدا اتفقت امس مع ابن عمي نصوح على ان نذهب لقضاء اليوم في بيارة خالي زهدي في " بيت دجن " وطلبنا من العم ابو سعيد ان يأخذنا إلى هناك بسيارة خالي زهدي فوافق على ذلك وقد حضر في الصباح إلى دارنا وأخذني انا ونصوح في سيارة خالي وهي من ماركة "باكارد" .

ونصوح ابن عمي صديقي وهو اقرب أولاد عمي سنا بالنسبة لي , ووصلنا إلى البيارة قبل الساعة 11 صباحا وكان البياري حسنين بانتظارنا على الباب , وكانت دار خالي فخمة على الطراز الحديث وفيها بركة للسباحة وملعب تنس وارض غرفة الاطفال من المطاط لحماية الاطفال في حالة السقوط .

وعلى بعد بضعة امتار من البوابة كان هناك " ياخور" فدخلناه ولفت نظرنا وجود حصانين قصيرين من نوع pony  وقال لنا البياري ان هذين الحصانين اهداهما ولي عهد السويد لرجا وسامي ابناء خالي في السنة الماضية وقال ان ولي عهد السويد كان ضيفا على خالي زهدي في قصره وهذا قبل سنتين , اما خالي زهدي فهو من اثرياء فلسطين وهو شريك في شركة يافية انجليزية تعمل على تصريف برتقال التجار الذين يتعاملون مع خالي في يافا حيث أن خالي يتولى اقراضهم مايلزم للصرف على بياراتهم في الصيف وفي الشتاء يقوم ببيع برتقالهم في بلاد الإنجليز من خلال شريكه الإنجليزي هناك وبذلك يسترد قيمة القروض التي اقرضها لهم وهناك مكاتب أخرى في يافا تقوم بهذا العمل ولعل اهمها مكتب خالي زهدي , وبيارة بيت دجن هي احدى البيارات التي يملكها خالي وعددها خمس بيارات في جهات مختلفة في فلسطين .

وعند وصولنا إلى " المشغل " في أول البيارة بدأ البياري بشرح لنا عملية قطف البرتقال واعداده للتصدير وانتقلنا معه إلى البيارة التي كانت اشجارها لاتزال محملة بحبات البرتقال التي لم يتم قطفها بعد وبدأنا نلاحظ عمليات قطف البرتقال واعداده للشحن فرأينا عملا يقطف البرتقال من الشجرة وعاملا آخر يضع البرتقال المقطوف في السلال وعاملا ثالثا ينقل سلال البرتقال المقطوف إلى " المشغل" , وفي المشغل رأينا " النقيض" يصنف البرتقال حسب الحجم ويفرز البرتقال الغير الصالح للتصدير ثم " الاستيفادور" وهو الذي يرتب البرتقال في الصناديق بعد أن يكون " اللفيف " قد لف ثمرة البرتقال بورقة ناعمة مطبوعة عليها " الماركة" حيث أن لكل تاجر ماركة أو علامة تجارية يعرف بها وبعد أن صف البرتقال في الصندوق رأينا " النجار" الذي كان قد أعد الصندوق اصلا من قطع الخشب ذات المقاسات المحددة 68 سم أو 72 سم أو 74 سم حسب حجم حبة البرتقال التي ستوضع في كل صندوق ,, ثم رأينا النجار يلف حول كل صندوق طوقا من الخشب الخاص لحمايته ثم يقفل الصندوق بالمسامير ورأينا العمال بعد ذلك ينقلون الصناديق الجاهزة إلى السيارة التي تنقلها إلى الميناء للتصدير وأثناء مشاهدتنا عملية تصفيف البرتقال في الصناديق قال لنا المسؤول عن المشغل أن هناك عمليات أخرى كثيرة غير التي شاهدناها وبصورة عامة فإن نصف أهل يافا تقريبا مرتبطون بهذه الثمرة الذهبية بصورة أو بأخرى , فمنهم صاحب البيارة وعمال البرتقال من مختلف المهن والمزارع والكومسيونجي والتاجر والمخمن والنجار وتاجر بيع الخشب والورق اللازم لعملية التصدير بالإضافة إلى اصحاب السيارات والسائقين والميكانيكين وموظفي المخازن في الميناء وعمالهم والبحارة وعمالهم الذين ينقلون صناديق البرتقال من الميناء للبواخر وكذلك اصحاب المطابع التي تطبع اسم التاجر أو علامته التجارية على ورق لف البرتقال وعلى خشب صناديق البرتقال وعمالهم ......

هذا واثناء تجولنا في البيارة كنا نلتقط حبات البرتقال والمندلينا من فوق الشجرة ونتمتع بأكلها وسألنا البياري عن أنواع الحمضيات المزروعة في البيارة فقال أن هناك أنواع كثيرة من البرتقال ومعظمها مزروع في البيارة وهي : البرتقال العادي والشموطي وأبو صرة والفالنسيا وبرتقال دم الزغلول والكباد والبوملي والجريب فروت والكلمنتينا ويوسف افندي والليمون الحلو والليمون الحامض والخشخاش والبرتقال الصفير الذي يؤكل مع قشره وذلك بالإضافة إلى البرتقال الحلو الذي نسميه السكري او الفرنساوي كما كان يطلق عليه في الخارج أحيانا لفظ البرتقال " المغربي"

وبعد أن استرحنا لبعض الوقت في ظل اشجار البرتقال اعد لنا البياري طعام الغداء وكان مكونا من الحمام المشوي والبندورة وخبز الطابون اللذيذ بالإضافة إلى الزيتون والبصل الاخضر والفجل وما إلى ذلك وبعد أن شربنا الشاي عدنا مع العم علي بالسيارة إلى شارع ابو الجبين !! ...